أبي الفرج الأصفهاني

169

الأغاني

وتعلو القوائم القوائما قال : فشتمه زيادة ، وشتمه هدبة ، وتسابّا طويلا ، فصاح بهما القوم : اركبا ، لا حملكما اللَّه . فإنا قوم حجّاج ، وخشوا أن يقع بينهما شر فوعظوهما ، حتى أمسك كل واحد منهما على ما في نفسه ، وهدبة أشدهما حنقا ، لأنه رأى أن زيادة قد ضامه ، إذ رجز بأخته وهي تسمع قوله ، ورجز هو بأخته ، وهي غائبة لا تسمع قوله ، فمضيا ولم يتحاورا بكلمة ، حتى قضيا حجّهما ، ورجعا إلى عشيرتيهما . يرتجزون بعمه زفر : قال اليزيديّ خاصة في خبره : ثم التقى نفر من بني عامر ، من رهط هدبة ، فيهم أبو جبر ، وهو رئيسهم الذي لا يعصونه ، وخشرم أبو هدبة ، وزفر عم هدبة ، وهو الذي بعث الشّر ، وحجّاج بن / سلامة ، وهو أبو ناشب ، ونفر من بني رفاش رهط زيادة ، وفيهم زيادة بن زيد ، وإخوته : عبد الرحمن ونفّاع وأدرع بواد من أودية حرّتهم ، فكان بينهم كلام ، فغضب ابن الغسّانية ، وهو أدرع ، وكان زفر عم هدبة يعزى إلى رجل من بني رقاش ، فقام له أدرع فرجز به فقال : أدّوا إلينا زفرا نعرف منه النّظرا وعينه والأثرا [ 1 ] قال : فغضب رهط هدبة ، وادّعوا حدّا على بني رقاش ، فتداعوا إلى السلطان ، ثم اصطلحوا على أن يدفع إليهم أدرع ، فيخلو به نفر منهم ، فما رأوه عليه أمضوه ، فلما خلوا به ضربوه الحدّ ضربا مبرّحا ، فراح بنو رقاش وقد أضمروا الحرب وغضبوا ، فقال عبد الرحمن بن زيد : ألا أبلغ أبا جبر رسولا فما بيني وبينكم عتاب ألم تعلم بأن القوم راحوا عشية فارقوك وهم غضاب فأجابه الحجاج بن سلامة فقال : إن كان ما لاقى ابن كنعاء مرغما رقاش فزاد اللَّه رغما سبالها [ 2 ] منعنا أخانا إذا ضربنا أخاكم وتلك من الأعداء لا مثل مالها [ 3 ] هو وزيادة يتهاديان الأشعار : قال اليزيدي في خبره : وجعل هدبة وزيادة يتهاديان الأشعار ، ويتفاخران ، ويطلب / كلّ واحد منهما العلوّ على صاحبه في شعره ، وذكر أشعارا كثيرة ، فذكرت بعضها ، وأتيت بمختار ما فيه ، فمن ذلك قول زيادة في قصيدة أولها : أراك خليلا قد عزمت التّجنبا وقطَّعت حاجات الفؤاد فأصحبا [ 4 ]

--> [ 1 ] الشعر من مجزوء الرجز ، وهو من قبيل التعريض . [ 2 ] البيت من الطويل دخله الخرم ، وابن كنعاء هو أدرع ، السبال : طرف الشارب ، أو مقدم اللحية ، يقول : إذا كان ما لاقاه أدرع أذل رقاش فزادها اللَّه ذلا . [ 3 ] لا مثل مالها : لا مثل الذل الذي تنطوي عليه . [ 4 ] أصحب الفؤاد : أصابه خبل .